القاضي عياض

16

شرح الشفاء ( شرح ملا علي القاري )

الموحدة أي نزلوا عليهم وقت صباحهم قبل رواحهم ( فأهلكهم ) أي الجيش ( واجتاحهم ) أي استأصلهم ولم يبق واحدا منهم ( فذلك ) أي المثل المذكور ( مثل من أطاعني ) أي انقاد لي في الطاعة على وجه الصدق ( واتّبع ما جئت به ) أي من الأمر الحق فيه إيماء إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يكتفي بظاهر الطاعة عن اتباع ما جاء به من العبادة ( ومثل من عصاني ) أي بالوجه المطلق ( وكذّب ما جئت به من الحقّ ) فيه إشارة إلى أن مطلق العصيان غير مستأصل للإنسان بل العصيان مع التكذيب هو الموجب لاستئصال البنيان لكونه كمال العدوان ( وفي الحديث الآخر ) أي الذي رواه الشيخان ( في مثله ) بفتحتين أي في تمثيله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( كمثل من بنى دارا ) وأصل هذا المثل منسوب إلى الملائكة حيث قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام إما في حال اليقظة وإما في حال المنام مثله كمثل رجل بنى دارا ( وجعل فيها مأدبة ) بضم الدال المهملة وقد تفتح أي أطعمة ملونة موضوعة للدعوة ( وبعث داعيا ) أي إلى الناس ليحضروها ويأكلوا منها ( فمن أجاب الدّاعي ) أي بقبول الدعوة ( دخل الدّار ) أي دار النعمة ( وأكل من المأدبة ) أي على قدر الطاقة في الطاعة ( ومن لم يجب الدّاعي لم يدخل الدّار ) أي دار القربة ( ولم يأكل من المأدبة ) أي لأن نصيبه الفرقة والحرقة ( فالدّار الجنّة ) أعدت للمتقين الذين أجابوا دعوة سيد المرسلين ( والدّاعي ) أي إلى اللّه تعالى ودار نعمته ( محمد ) صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( فمن أطاع محمدا ) صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( فقد أطاع اللّه ) لأنه الداعي إليه بأمره ( ومن عصى محمدا ) صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( فقد عصى اللّه تعالى ) أي بخروجه عن حكمه ( ومحمّد فرق ) بفتح فسكون أي فارق ( بين النّاس ) أي من المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه فهو مصدر وصف به للمبالغة كرجل عدل وفي نسخة بفتح الراء مشددة ومخففة بالقاف أي فصل بينهم بإعزاز المطيعين وإذلال العاصين . فصل [ وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهداه ] ( وأمّا وجوب اتباعه ) أي متابعته ( وامتثال سنّته ) أي طريقته ( والاقتداء بهداه ) أي سمته وحالته وسيرته ( فقد قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ) أي تدعون محبته وتريدون مودته ( فَاتَّبِعُونِي ) أي فيما يظهر مني من شريعته وطريقته وحقيقته ( يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) جواب الأمر وهو جواب الشرط أي يرض عنكم ويكشف حجب قلوبكم ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) [ آل عمران : 31 ] أي جميع عيوبكم ( وقال تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ) وفي وصفه به تلويح إلى أن كمال علمه من معجزاته ( الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ ) أي بكتبه وآياته ( وَاتَّبِعُوهُ ) أي في أوامره وزواجره ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ الأعراف : 158 ] ) ببركات ظواهره وسرائره ( وقال فَلا وَرَبِّكَ ) زيدت لا لتأكيد معنى القسم كما قاله الدلجي تبعا لغيره لكن يأباه الجمع بين الفاء والواو فالأظهر أن تقديره فليس الأمر كما يظنون من أنهم يصلون إلى اللّه تعالى من غير أن يتبعوا رسوله وربك ( لا يُؤْمِنُونَ ) أي بي ولا بك ( حَتَّى